Feeds:
تدوينات
تعليقات

اللعنة

شدّ على يدي بحرارة، وقال إنه جاء خصيصا للمعايدة عليّ، وبعد خمس دقائق لم أدعه خلالها للجلوس استند على المكتب الذي بجانبي، ثم اعتدل وأعلن أنه ذاهب. شدّ على يدي مرة أخرى وقال إنه جاء فقط للمعايدة عليّ.

راقبته وهو يغادر وفكرت بأنني ربما لا يجب أن أعوّل كثيرا على شدّة اليد الثانية، ويجب أن أنتظر عودته المرة القادمة، لأتأكد من أنه لم ينتبه إلى أنني طوال الوقت كنت أتمنى مغادرته لأنني لم أعد أحتمل الزبد الذي يتكون على زوايا فمه عندما يتكلم.

أنا شخص شرير

شخص شرير ويستحق اللعنة التي حلّت عليه وقسّمت الناس في حياته إلى قسمين اثنين فقط:

أشخاص أحبّوه أو أشخاص أحبّهم.

حسام الصمادي 19 عاما، الأردني الذي اعتقل يوم 24 سبتمبر لمحاولته تفجير برج تجاري مكون من 60 طابقا يقع وسط مدينة دالاس، يحظى في الصحف اليومية بفزعة تليق فعلا بأسرتنا الأردنية الواحدة، فزعة تستلهم واحدة من أهم قيمنا الأصيلة المتمثلة في الوقوف مع لحمنا ودمنا ظالما أو مظلوما.

حسام غادر إلى أمريكا  من اجل إكمال دراسته الثانوية ولكنه تركها ليصبح بعد ذلك مقيما غير شرعي في مدينة دالاس يعمل في المجمعات التجارية.

عملاء FBIمتخفين راقبوه على مدار ستة أشهر عبر واحد من المواقع الإسلامية المتطرفة التي كان يرتادها وكان فيها يعبر عن رغبته في الجهاد ضد الولايات المتحدة، ويقول إن هذا هو السبب الذي من أجله جاء إلى الولايات المتحدة. العملاء تواصلوا معه وأوهموه بأنهم أعضاء في القاعدة، وقام بالاتفاق معهم بحبك مؤامرة لتفجير البرج، حيث قاد سيارة زرعت فيها عبوة متفجرات (أوهموه أنها فعالة) وتركها في موقف السيارات الذي يقع تحت البرج، ثم خرج، وأدار من هاتفه الخلوي رقما متفقا عليه، وهي الخطوة التي كان من المفترض أن تنفجر السيارة بعدها، حيث ألقي القبض عليه مباشرة بعد إدارته الرقم.

الفزعة التي يقودها كتّاب صحفيون ومحامون ومهندسون زراعيون (والد الشاب مهندس زراعي) تتمحور حول التالي:

1)      انتقادات شديدة للحكومة الأردنية التي أفشت سرا وقالت إن على الصمادي قيودا أمنية حيث سجن عندما كان في الرابعة عشرة في دار للأحداث بتهمتي السرقة والتشرد، أولا لأن معلومة مثل هذه تضعف أمام السلطات الأمريكية موقف الشاب المسكين الذي كان عانى من ظروف أسرية قاسية تمثلت في طلاق والديه ووفاة والدته من بعدها بالسرطان.

ثانيا لأن  السرقة المشار إليها كانت من والده مش من حدا غريب وهو الذي أبلغ عنه من أجل أن يتأدب.

وبعدين كيف بتصفّوا مع أمريكا ضد ابن البلد؟؟

2)      القضية مفبركة، فالعملاء هم الذين استدرجوه، وهم الذين أمّنوا له العبوة الناسفة، وكان واجبهم أن يهدوه إلى السراط المستقيم، وأن يردوه من خلال محادثاتهم معه على النت إلى عقله، أو على أقل تقدير كان عليهم وهو مهاجر غير شرعي أن يعيدوه إلى بلاده.

لم يفكر هؤلاء أن الشاب الذي وصل في عمليته إلى الخطوة الأخيرة  فأدار الرقم الذي اعتقد بعده أن البرج سينفجر، كان يمكنه أن يتعثّر كما غيره بأعضاء حقيقين في القاعدة، وكان يمكن للعبوة الناسفة أن تكون حقيقية، وكانت ستنفجر، لتسوي البرج بآلاف الآدميين فيه بالتراب.

يعتقدون أن العالم على قدنا، ويريدون إنهاء قضية محاولة تفجير ناطحة سحاب في أمريكا، بنفس الطريقة التي أنهوا وينهون فيها قضايا الممتلكات التي تحرق وتدمر كلما تشاجر ولدان في عشيرة، عندما يكون الشرط الأول في أي تسوية عشائرية هو عدم الملاحقة القانونية  للمتسببين بالأضرار، لأنه معلش شباب طايش، وفنجان قهوة عربية  وشيخ القبيلة (الحكومة) تدفع تعويضات للمتضررين.

سلام التراب

قبل وفاته بشهر قال إنه يريد سنتين فقط، وعندما سألته لماذا سنتين بالتحديد، قال إنه مرتبط بعقود ترجمة.

مناسبة الحديث كانت الصورة الأخيرة لرئتيه التي بينت استشراء الورم، وكان هذا موته الذي يتحدث عنه، كما لو أنه مسألة إجرائية بحتة.

يقولون إن الإيمان يمنح السكينة، ولكنني في حالته كنت اعتقد أن إلحاده هو ما منحه السلام الداخلي

لم يكن لديه رب يعاتبه، أو يحاول التدبر في حكمة مصائبه، وظل إلى آخر لحظة واثقا من أنه سوف يستحيل ترابا

قبل وفاته بأسبوع، عندما انهار جسده فجأة ودخل في غيبوبة، ذهبت لأزوره لأنها كانت فرصتي الأخيرة للتدقيق في وجه الرجل الذي زاملته سنة، واكتشفته فقط في الأربعة أشهر الأخيرة منها.

الذي يفعله الموت يفعله بالأحياء وليس بالموتى

ذلك أن الموتى يذهبون إلى سلام التراب، ويبقى على الأحياء أن يخترعوا دواء لخسارتهم.

يلعن شرفك

الفتاة التي حاول أخوها ذبحها ماتت

كل مرة يتحدث أحد عن جرائم الشرف في مقال أو ندوة أو حتى في تغطية صحفية لخبر الجريمة، يتم التأكيد على الفكرة التالية، وهي أن الفتيات يقتلن على الشبهة، وأنهن بريئات، لأن الطب الشرعي يثبت عذرية “الجثث”.

كلنا بالغون ونعرف أن احتفاظ الفتاة بعذريتها لا يعني عدم ممارستها الجنس، وبالتالي لا معنى للتأكيد على مسألة العذرية هذه، إلا إذا افترض أحد أن الجنس الكامل هو ما ينتهك شرف العائلة، وهذا ليس صحيحا، لأنه في  مجتمع يحرم أي تماس جسدي خارج إطار الزواج،  فإن القبلة تكفي لارتكاب الجريمة.

الدفع دائما بـ”براءة” الفتيات، باعتباره  الركيزة الوحيدة التي يستند إليها مستنكرو الجريمة، هي مسألة خطرة، لأنها تمنح الشرعية للجريمة في حال أن لاتكون الفتاة “بريئة”، كما أن التركيز على مقولة أن الفتيات يقتلن على الشبهة،  لا يرفض القتل كمبدأ، بل يدعو ضمنا إلى التيقن قبل القتل.

ربما كان هذا الالتفاف الذي يكرس الظاهرة، هو ما يجعل  الجهود المبذولة في مكافحتها تبدو وكأنها حراثة في الماء،  والدليل كل هذه الدموية، ونحن لا نتحدث عن عدد الجرائم

المرتكبة فقط، بل عن بشاعتها، ففي  وقت تكفي فيه طعنة لإزهاق روحها، تتلقى الفتاة عشرات الطعنات، ويجز عنقها، وتبقر أحشاؤها.

لا أحد يواجه صراحة حقيقة أن الفتيات المقتولات  أقمن فعلا علاقات خارج إطار الزواج، لأن مواجهة ذلك تعني أن يمتلك الإنسان شجاعة الدفاع عنهن رغم مخالفتهن عرفا اجتماعيا مقدسا كهذا،وليس هناك كثيرون من الذين يرغبون بلعب دور محامي الشيطان، وليس هناك أيضا كثيرون ممن هم على استعداد في مجتمع  كمجتمعنا لأن يدفعوا ثمن إفصاحهم عن معتقداتهم، والدفاع عن حق الناس في امتلاك أجسادهم.

وفي الحالات القليلة التي يكون هناك اعتراف بأن الفتاة أقامت علاقة فعلا، فإن الطرح في الغالب يكون كالتالي، هو أن قتلها مخالف لتعاليم الإسلام الذي نظم مسألة التعامل مع الزنا، فحدد الجلد للبكر، والرجم للثيب، وهو طرح مفهوم عندما يأتي من المتدينين، ولكنه ليس مفهوما، ولا مقبولا من العلمانيين، فأنت هنا لا تحاول تحقيق هدف مرحلي فقط، وهو حقن الدم،(سيكون حقن دم  لغير المتزوجين فقط)،  أنت أيضا تحاول أن تأصل لمبادئ إنسانية تنظم العلاقة بين الناس، فهل يدعو العلمانيون مثلا إلى تطبيق الشريعة الإسلامية؟؟

ومع ذلك فإن المشكلة ليست دائما في من يفتقرون إلى شجاعة الإفصاح عن مواقفهم، إنها أيضا في عدد من العاملين في مكافحة الظاهرة، وفي العمل الاجتماعي عموما، ممن يتبنون في دواخلهم ثقافة المجتمع كما هي، وتعمل عقولهم وفق نفس آليات التفكير التي تعمل وفقها عقول مرتكبي هذه الجرائم،  لكن الأمر بالنسبة إليهم  ليس قضية، إنه وظيفة، تنفيعة يعني.

احفظ المسودة

جاء الرجل وأخذ الولدين

عندما غادرا وانطبق الباب خلفهما، استدرت  وبدأت بالتنظيف، كما تفعل ربة منزل غادر ضيوفها

عندما انتهت أعمال التنظيف، انتقلت إلى المرحلة التالية التي أعرفها جيدا، وهي مرحلة المشي في الغرف الفارغة، التي ستظل نظيفة ومرتبة في غيابهما، مهما طال هذا الغياب.

الأسرّة مرتبة، الألعاب في سلّتها خلف باب الغرفة، وما لم يأخذاه من ملابس مطوي بعناية على رفوف الخزانة

لا زيت تونة على مقبض باب الحمام:

ارفع يديك.. ارفع يديك.. أنا سأفتح الباب

لا ملوخية ملتصقة بالصابون:

قلت لك ألف مرة.. ألف مرة اشطف يديك بالماء قبل أن تمسك الصابونة

لا دزينة أكواب ماء مستعملة على رخامة المطبخ، ولا شجارات، ولا سبيس تون، ولا كسر للملبس القاسي بالأسنان (سيكون هناك كسر للملبس القاسي بالأسنان، ولكنني لن أسمع الصوت)

والأهم من كل هذا أنه لن يكون هناك طبيخ

لأنني في غيابهما آكل الفواكه والسندويشات فقط، لأنها  لا تخلف صحونا ولا طناجر

عندما انتهت مرحلة المشي في الغرف الفارغة، كانت الساعة السابعة مساء، فقلت سأذهب لأنام، كي أتخلص من ساعة الغروب الثقيلة على الروح، وإذا كنت محظوظة سأستيفظ في التاسعة، ويكون الظلام قد حلّ، والهواء أصبح لطيفا، وإذا كنت محظوظة أكثر، سيكون هناك فيلم جيد على MBC2

ذهبت واستلقيت على سرير واحد من الولدين، ثم نهضت لأن شيئا غريبا قد حدث معي، فقد اعتدلت في جلستي وبدأت أبكي

بدأت أبكي بعنف وبصوت عال، لدرجة أنني في غمرة البكاء  نظرت إلى النافذة لأتأكد من أنها مغلقة. ثم هدأت وهذا على أي حال لم يستمر أكثر من دقيقتين، قمت بعدها وارتديت ملابسي وقررت أن أخرج

كان يجب أن أفكر بالذهاب إلى صديقتي الحميمة، ولكنها دعستها سيارة وماتت (سأروي مرة حكاية الحادث)

قلت إن الساعة كانت السابعة، والخروج في هذه الساعة  ليس فكرة جيدة في حارتنا، لأنك إذا كنت ستخرجين في السابعة والظلام يحل في الثامنة، ففي أي وقت تنوين جنابك أن تعودي؟

الآن سأصل إلى الهدف الرئيسي من  كل الهراء أعلاه، وهو أنني طيّزت للحارة وخرجت فعلا، والساعة الآن هي التاسعة والنصف، حيث أجلس في مقهى إنترنت عند الجامعة. الظلام قد حلّ في الخارج، والهواء يأتي لطيفا من الباب، وقد فتحت المدونات التي أحبها للمدونين الذين أحبهم، وأنا نفسي أكتب هذه التدوينة التي سأنشرها حالا، ولن أتركها أسبوعا كما اعتدت أن أفعل، وفي النهاية فإن الأمور  ليست بهذا السوء

في الحقيقة فإن كثيرا من السوء هو مجرد أفكار في الرأس

 

 التدوينة أعلاه كانت محفوظة كمسودة  منذ شهر 7 السنة الماضية، انتبهت إليها وأنا أنظف صفحة المسودات في المدونة، ولفت نظري السطر الذي أقول فيه إنني سأنشرها حالا ولن أبقيها أسبوعا، في حين أنها بقيت سنة كاملة.

الصحيح أن ذكرى ذلك اليوم غائمة، ولا أعرف لم لم لم أنشرها وقتها، ولكن قراءتها اليوم أثارت في نفسي انفعالات عنيفة، لأنها جعلت السنة الماضية  التي كانت بالنسبة لي حافلة بالتغييرات الدراماتيكية تمرّ أمامي.

ربما سأجد يوما طريقة أروي فيها حكاية هذه السنة التي بدأت بقفزة إلى المجهول عندما تركت عملي ومنزلي وانتقلت إلى مهنة جديدة  ومدينة  جديدة، بلا خط رجعة ولا ضمانات، ولكنني الآن أنظر خلفي وأعرف يقينا أن كثيرا من السوء هو فعلا  فكرة داخل الرأس.

بالأردني

ثلاث جرائم شرف خلال الشهر الحالي …

الأولى فتاة عمرها 16 سنة، قتلها عمها بتسع رصاصات بعد أن تعرضت إلى الاغتصاب من قبل شخصين.

الثانية عمرها 23 سنة، هربت قبل عامين من منزل أهلها، وتزوجت من شخص كان تقدم لخطبتها ورفضته العائلة. المرأة الحامل دعيت إلى حفل زفاف شقيق لها، وفي نهاية الحفل، أطلق أحد أشقائها أربع رصاصات على رأسها، وقبض على شقيقيها الآخرين بتهمة المساعدة.

الثالثة فتاة عمرها 18 سنة، طعنها شقيقها في أماكن متفرقة من جسدها، وحاول جزّ عنقها.

في الشهر الماضي كان هناك ثلاث جرائم أيضا، والحصيلة غير الرسمية لهذه السنة هي 17 جريمة حتى الآن، علما بأن الحصيلة غير الرسمية تعني أن تقوم بعدّ الجرائم بنفسك واحدة واحدة.

منذ سنوات ومنظمات المجتمع المدني تحاول إلغاء ما يسمى “العذر المخفف”، الذي يستفيد منه “من فوجئ بزوجته أو إحدى أصوله أو فروعه أو أخواته، حال تلبسها بجريمة الزنا، أو على فراش غير مشروع، فقتلها في الحال، أو قتل من يزني بها، أو قتلهما معا، أو اعتدى عليهما اعتداء أفضى إلى موت أو جرح أو إيذاء أو عاهة دائمة”.
واستفادته منه تعني في معظم الأحيان حصوله على ستة أشهر سجن.

ولكن ما حصلت عليه المنظمات هو تعديل في القانون يمنح المرأة أيضا حق الاستفادة من العذر المخفف، فلم يعد الرجل وحده من يملك الحق في ارتكاب جريمة شرف، المرأة تستطيع ذلك الآن.

الطريف أن التمييز لصالح الرجل كان حتى في منح العذر المخفف، فالرجل يمكنه أن يقتل أخته، ابنته، زوجته، أمه، ابنة عمه…إلخ، وفي أي مكان، أما المرأة فيجوز لها أن تقتل زوجها فقط، وفقط إن ضبطته متلبسا في مسكن الزوجية.
ولا أعرف كيف لأي جهة أن تسمى هذا انتصارا، وهو ليس أكثر من توسيع لرقعة الدم.

المفارقة في ما يتعلق بالعذر المخفف، هو أن التطبيق الفعلي له، يمكن أن يقلل كثيرا من جرائم الشرف، لأن من يستفيد من العذر المخفف هو “فاعل الجريمة الذي أقدم عليها بسورة غضب شديد، ناتج عن عمل غير محق، وعلى جانب من الخطورة أتاه المجني عليه”.

وإذا تغاضينا عن تعريف “العمل غير المحق، والذي على جانب من الخطورة الذي أتته المجني عليها”، ففي معظم الجرائم المرتكبة، لا يوجد تلبّس، ولا سورة غضب تمنع الشخص من تمييز أفعاله، بالعكس هناك تخطيط للجريمة يتم بهدوء أعصاب ودم بارد،   وهي مسألة يؤكدها محامون عاملون في المجال، وتؤكدها أيضا قراءة سيناريوهات الجرائم المنشورة في الجرائد.
هل إلغاء العذر المخفف سيقضي فعلا على جرائم الشرف؟

ليس بالضرورة …

لأن جريمة الشرف هي كسلوك نتاج ثقافة رعوية، وهي ثقافة يتم تكريسها بشكل منظم من خلال وسائل صناعة الوعي في المجتمع، وسائل الإعلام، والمناهج الدراسية.

وقانون جديد، لثقافة قديمة، يعني التحايل عليه.

لو تم فعلا إلغاء البند، وصارت جريمة الشرف تعامل بوصفها جريمة عادية، فإننا في الأردن سندخل على الأرجح إلى عصر جديد، هو عصر جرائم الشرف التي يدفع إلى ارتكابها أطفال.

ما بعرف، يمكن شرموطة

لأنها سيرلانكية، سوداء، بدينة، وتضع على فمها أحمر شفاه فوشي
لهذه الأسباب المرتبة تنازليا، لم يكن من حقها أن تحتج على الرجل الذي وضع يده عليها ثلاث مرات في الباص المكتظ بالواقفين، والدليل أنها وهي تصرخ عليه بعربية مكسرة قائلة له إنها نبهته مرتين، وفي الوقت الذي كان من المفروض فيه أن يكون هذا من أصعب المواقف في حياته، فإنه انفجر ضاحكا، وهي تشتمه بشتيمه غير مناسبة أبدا للموقف: يا زنك، أي يا زنخ، وسرعان ما انخرط أهل الباص في تحالف وطني مع الرجل، وشاركوه الضحك، هنا لم تستطع المرأة تمالك نفسها فانطلقت تردح بالسيرلانكي
السائق الذي طلب منها أكثر من مرة أن تبطّل بعبعة، أوقف الباص على جنب، وتوجه إليها مهددا: shut up
فنظرت إليه مذهولة وقالت له بإنجليزية سليمة: هو وضع يده عليّ ثلاث مرات، وأنا يجب أن أخرس؟ أي نوع من الرجال أنتم؟
هذا الموقف حدث أمامي عصر اليوم وأنا ذاهبة إلى مكتبة شومان، تقريبا النشاط الإنساني الوحيد الذي أواظب عليه، ولكنني في الأثناء أجد نفسي إما شاهدة على اشتباكات أو طرفا فيها، آخرها قبل أسبوعين، عندما كنت أقف الساعة التاسعة ليلا في البلد أنتظر تاكسي، ومرّ أمامي شابان، أحدهما همس للثاني بشيء، فالتفت ونظر إليّ ثم قال دون مبالاة: ما بعرف، يمكن شرموطة
قالها دون أن يكون معنيا أن أسمع أولا أسمع، ، بالضبط كأن تبدر منك ملاحظة على شاخصة مرورية في الشارع أو حاوية للزبالة، ولن تفكر أبدا بأنك ستجرح بكلامك الحاوية
 
 

الحسابات 3

كنت أعرف أن النهاية يمكن أن تكون سيئة، وأن ما حدث قد يكلفني الوظيفة
نعم، إذا أصرّت الأطراف هنا على إيصال الأمر إلى الإدارة العليا، فإن الثمن سيكون فصلي
صحيح أن الجميع كانوا يضربون هنا، ولكنهم كانوا حذرين، يختارون الغرف التي يضربون فيها، والمواضع التي يضربون عليها، وأنا كنت مثلهم، أجري حساباتي جيدا، وإذا كنت خبصت الدنيا الآن، فلأنه لم يكن من المفروض أن تكون ضربة حقيقية، ولكن من سيصدق وهناك ولد بورم أزرق فوق العين مباشرة، ورم أثقل الجفن فنفخه ونزل إلى منتصف العين
وأنا لم أكن أريد أن أفقد وظيفتي، ليس لأنني كنت سعيدة في ذلك المكان، فقد رأيت فيه أسوأ أيامي
صحيح أن وظيفتي لم تكن تعني تحمّل مسؤولية ثمانية أطفال أربع وعشرين ساعة كما هو حال الموظفات الأصليات في البيوت، لكن وضعي لم يكن أقل سوءا بكثير، فقد كنت في المناوبات وكانت كثيرة ومتتالية أقف على قدميّ لخمسة عشرة ساعة متواصلة، وفي الدقائق القليلة التي كان يتاح لي اقتناصها، كنا أجلس وأطلب من الأولاد الصغار أن يدعسوا على إبهامي قدميّ، لأنني كنت أحس أن كل التعب كان يتصفّى فيهما
في أحيان كثيرة كنت أعتبر أن أعبائي أثقل من صاحبة المنزل، لأنه كان يجب أن أكون حذرة طوال الوقت، وألاّ أرتكب أخطاء تجعلها تشكوني، مع أن الواحدة لم تكن بحاجة لارتكاب أخطاء، لأن المسألة كانت تتم فقط للأذى، تعود الأم من الإجازة وتبدأ بالنبش: هل رأيت الذي فعلته الخالة؟ قبل ذهابي كنت قطّعت ونظفت ست دجاجات ووضعتها في الفريزر، أنت تعرف أن الواحدة منّا تعود من الإجازة منهكة، فوجدتها قد طبختها جميعها، لماذا لم تشتر هي دجاجا وتقوم بتنظيفه؟
… أو
هل رأيت الذي فعلته الخالة؟ كنت قد نظّفت ست دجاجات ووضعتها في الفريزر جاهزة للطبخ، وعندما عدت وجدتها اشترت دجاجا، كان أمامها فلماذا المصاريف الزائدة؟
الخطر كان في أنه لم تكن تحدث مواجهات، فقد كنّ يذهبن مباشرة إلى المدير، وهو لم يكن يواجه المعنيّة، ليس فقط لأنه كان يعرف أن الشكوى كانت هي الهدف بحدّ ذاته، بل لأن إيصال الشكوى كان يعني فتح الباب لمشاحنات لا تنتهي، كنّ فيها سيتقاذفنه بينهم مثل الكرة
كان هذا خطرا، لأن أحدا لم يكن يعرف ما كان يدور حوله، ولا المكائد التي كانت تحاك للإيقاع به
لهذا فإن التواصل في الحقيقة كان هو الجهد الذي كان الجميع يبذلونه في قراءة الوجوه، ونظرات العيون، وحركات الأيدي، وفي استخراج القصص الحقيقية من لبّ القصص التي كانت تروّج

يا خالتو .. قلاية بندورة 2

*
حدثت الأمور بسرعة
ذهبت سميحة لتتعشى عند أختها، واستدعوني لأحل محلها
لم يبلغوني قبلها لأنها ربما قررت فجأة، أو لأنهم ببساطة نسوا، وهكذا وفي تمام السابعة مساء، عندما افترضت أن يوم العمل انتهى، وأنني الآن سأستحم وأتناول عشائي أمام التلفزيون، اتصل بي المدير وأخبرني أنني سأقضي السهرة في منزل أطفال الغابة
غادرت المرأة بعد أن طلبت مني أن أعد العشاء للأولاد، الذين طلبوا بيضا وقلاية بندورة
ولكنني كنت نكدة، ولم يكن عندي استعداد لغسل ما هو أكثر من السكين الذي سأستعمله في صنع ساندويشات الجبنة، لهذا صنعتها لهم وأجلستهم على الطاولة
ماجد رفض الجلوس، وصرخ في وجهي قائلا إنه يريد البيض وقلاية البندورة، وعندما رفضت، قال باستجداء:طيب يا خالتو قلاية بندورة
قلت: ستأكل الآن الجبن، وعندما تعود سميحة اجعلها تطبخ لك كرشات
أخذا الساندويش ولكنه كان قد قرر الانتقام، فأمسك بمطرقة لعبة مصنوعة من البلاستيك، وصار يطرق بها على الطاولة، ويهدد الأولاد الأصغر سنا، قمت لآخذها منه ففر مني
كان ولدا في الثامنة، خفيف الحركة، وصار يقفز من جهة إلى أخرى وأنا أحاول اللحاق به مثيرة خلفي عاصفة من الضحك
الأولاد الذين كانوا يتشكون منه ويجعرون بسببه، صاروا الآن يضحكون له ويشجعونه على تعذيبي

**
صحيح أنني كنت نكدة لفساد سهرتي، ولكن الذي أثار غضبي في الحقيقة هو هذا النفس المعاند الذي تحدث به الأولاد معي، وخاصة الكبير ماجد
كنت أعرف الطريقة التي كانوا يسلكون بها مع الموظفة الأصلية، وكنت أعرف أن السماء ستهبط لتقبل أقدام الأرض، قبل أن يصرخ أحد في وجهها ويطلب قلاية بندورة، أو يفر منها من زاوية إلى زاوية محولا إياها إلى أضحوكة
كنت اعرف أنه كان بإمكانها أن تضع لهم على العشاء الخبز الناشف، وكانوا سيجلسون ويعلكونه بصمت
كيف استطاعت هذه المرأة أن تحولهم إلى مجموعة من الأقزام الآليين؟
كانوا يستأذنوها لشرب الماء والذهاب إلى الحمام كما لو أنهم في فصل دراسي، وعندما كان الواحد يخرج من الحمام، كانت ترسل خلفه آخر ليكشف على حالة المرحاض
كانت تقسم البرتقال إلى حزوز، وتضعه في طبق كبير، فيجلسون على صف المقاعد أمامها وينزلون بالدور، قتناول الواحد حزا ويعود إلى مكانه، يأكله ثم ينزل مرة أخرى ليأخذ حزا آخر، وقبل أن تعطيه تتفحص ملابسه، فإن كان قد نقّط عليها يعاقب بأن يعود إلى مكانه ويراقب الآخرين يأكلون
كانوا في الغرفة ينظرون إليها بعد كل حركة، يجسون تعبيرات وجهها ليقرروا إن كانو سينتقلون للحركة التالية أو أن عليهم أن يجمدوا في أماكنهم بانتظار أن تنطق أسماؤهم
وهي كانت تنظر في أعينهم فقط، تنظر في مركز العين مثل ضبع، نظرة تقول: أنت تعرف ما بإمكاني أن أفعل
ما الذي كان بإمكانها أن تفعله؟
كنت أتساءل وأسأل دون أن أتلقى جوابا، لأنها عندما كانت تذهب في إجازات وأحل محلها، وأحممهم، لم أكن أجد آثار ضرب على أجسادهم كما هو حال البيوت الأخرى، ولم أسمع قط أصوات صراخ تنطلق من نوافذها، لا صراخها ولا صراخهم
وفي المقابل عندما كانت تذهب في إجازة، كانت أبواب الجحيم تنفتح في وجه التي تحل محلها، فينفلت هؤلاء الأولاد من عقالهم كائنات هائجة مائجة مجنونة شرسة
كنا نضرب ونحبس في الغرف ونحرم من الحلوى ونصرخ إلى أن تنقطع أحبالنا الصوتية، ولا شيء كان يهدئهم
قلت لها مرة: إن كنت لن تخبرينا بالطريقة التي تجعلك قادرة على ضبطهم هكذا، عاقبيهم عندما تعودين على تعذيبنا، دعينا على الأقل نستطيع تهديدهم بك
ولكنها كانت تعود من الإجازات، فتتجاهل كل الشكاوى، وكان الأولاد يعرفون هذا، يعرفون أن باستطاعتهم أن يفعلوا أي شيء ويفلتوا به
لم أعرف إن كان هذا لأنها تستمتع بتعذيب البديلات، أو لأنها كانت تتباهى بقدرتها على ضبط الأولاد في حين نعجز، أو أن الأمر كان أعمق من ذلك، أنها كانت تعرف أن هؤلاء الأولاد كانوا في حاجة إلى متنفس، كي لا يصلوا معها إلى حد ينفجرون فيه وتعجز عن لملمتهم، فكان مناسبا لها أن ينفلتوا في غيابها ثلاثة أيام في كل شهر

***
لهذا كله، عندما استطعت أخيرا الإمساك بماجد، كان دمي قد تحول إلى قطران، وأمسكت المطرقة وهويت بها على كتفه، أو كان من المفروض أن تكون ضربة على الكتف، ولكن الولد نتر وجهه فجأة، فهوت المطرقة على وجهه، بالضبط على حاجبه، ونبتت في الحال كدمة زرقاء صلبة بحجم الجوزة وبدأ يصرخ
تصرفت في الحال بسرعة بديهة، وغطيت الكدمة بيدي حتى لا يراها الأولاد
كان ما يهمني في تلك اللحظة ألا أدعهم يشاهدون شيئا يستطيعون روايته فيما بعد، لهذا سحبته بسرعة إلى المطبخ، وتناولت نصف رغيف وفتحت عليه الحنفية حتى ابتل تماما، ثم عجنته حتى تماسك، ثم وضعت العجينة على الكدمة، وهي حيلة علمتني إياها شفيعة
ضغطت العجينة على الكدمة فعلا صراخه، في الوقت الذي كانت أقدام الأولاد تقترب من المطبخ، فأمرته أن يبقى في مكانه، وخرجت بسرعة وصعدت بالبقية إلى الطابق الثاني حيث غرف النوم
عندما كنت أقطع الممر لأقودهم إلى غرفهم، في اللحظة التي مررنا فيها أمام غرفة سميحة، صرخت واحدة من البنات برعب: الغرفة مفتوحة
هنا أصابهم رعب هستيري، وانطلقوا إلى أسرتهم مثل السهام
وقفت أتلفت مذهولة، عندما انتبهت أن غرفتهاالمظلمة كانت مفتوحة فعلا، والباب كان مواربا، وكان هذا غريبا، لأن المتعارف عليه في هذا المكان ن غرفة الموظفة كانت المكان الوحيد الذي لا يحق لأحد تفتيشه
كل مكان آخر كان عرضة للتفتيش من أجل التأكد من نظافته وترتيبه، إلا هذه الغرفة، لهذا كانت غرفة الأسرار، ليس لأنها مكان المتعلقات الثمينة أو الخاصة والحميمة، ولكنها كانت المكان الذي تخبأ فيه كل مظاهر الكركبة التي يمكن أن تضبط في حملات التفتيش أو تخدش أعين الزوار، في هذه الغرف كانت تخبأ أكوام الغسيل القذر، والغسيل النظيف الذي لم يطو بعد، وأحذية الأولاد، وأي شيء آخر، لم تكن الموظفة تجد الوقت أو الطاقة أو الرغبة في وضعه في مكانه
استغربت كيف تركتها مفتوحة، ولكني لم أستطع الوقوف أمام الأمر طويلا، فقد كنت مشغولة بماجد وبالوقت الذي كان يضيق أمامي
كان يجب أن أضعهم في أسرتهم وأعود لأتصرف في الوقت القليل الباقي
نزلت إليه، وكان يقف ساكنا مستندا إلى الفرن، وقد ذبّله البكاء
نزعت العجينة، ووجدتها امتصت الكثير من الورم، ولكنه مع ذلك كان ما يزال هناك أزرق فاضحا، فحملت الولد إلى سريره، وجلست إلى جانبه، واضعة رأسي بين يدي وأنا أفكر: ماذا أفعل، ماذا أفعل؟

لمن تمشط شفيعة شعرها 1

عندما نظرت من النافذة، كان باب غرفة الغسيل في أقصى الساحة مواربا، والضوء الأبيض يتسلل خلل الإطار ويضيء الجزء المواجه للباب من شجرة الكينا، فعرفت أنها شفيعة تتحدى مجددا قرار مدير الدار وتغسل بعد العاشرة مساء، وأنه الآن مع عائلته يتقلبون ولابد على أسرّتهم في بيتهم الذي يقع فوق هدير الغسالات
هذا كان انتقامها منه، فقد فاجأها هذا الصباح بزيارة في البيت الذي تناوب فيه، وكانت زيارة مصيدة، لأنه لم يعتد القيام بأنشطة تتعلق بالعمل في أيام الجمع، وعندما دخل وجد الأطفال الثمانية جالسين على المقاعد كمقاعد، أيديهم مسبلة إلى جانبهم وأعينهم شاخصة في الفراغ، دون لعبة لأنها خزنت كل الألعاب حتى لا يبعثروها وتضطر إلى لمّها، ودون حلوى في أيديهم حتى لا يوسخوا ملابسهم ويهرهروا الفتات، وبعيدين عن بعضهم مسافة كافية كي لا يشتبكوا، وكانت هي جالسة تتفرج على برنامج لتعليم شغل السنارة، وإلى جانبها نصف عصا مكنسة، فصرخ بها:على الأقل افتحي لهم على أفلام كرتون
لقد طأطأت، وكان هذا مريعا لأنها ابتلعت سكين الإهانة، وثانيا لأنها تعرف أنها بعد خروجه ستخوض مع الأولاد معركة شرسة بعد أن شاهدوها تعنف وتطأطئ رأسها مثل بنت صغيرة، معركة ربما ستحتاج فيها إلى أكثر من عصا مكنسة
في المساء بعد أن ناموا جاءت إليّ وكانت مخنوقة، قالت: لم لا يحدد الذي يريده؟ هل يريد أطفالا نظيفين مهندمين ممشطين، وبيتا نظيفا لامعا أربعة وعشرين ساعة؟ هذا معرضه، ولكنه إذا أراد أولادا يعيشون حياة طبيعية كالتي يعيشها أولاده، فإنه يجب ألا يحاسبني على الوساخة والكركبة والخنان الذي يسيل من انوفهم، لأنهم ثمانية وأنا واحدة
معارض
هكذا كنا نسمي بيوت الدار، عندما كان بإمكان المدير في أي لحظة من النهار أن يدفش الباب بقدمه، ويدخل ليفتش على خزائن المطبخ والمجلى وخزائن الملابس، ويتفقد غرف النوم ووضعية الأسرة وحالة الحمامات، والطامة هي عندما يأتي في زيارة مع ضيف، ويكون هذا الضيف مسؤولا جاء في زيارة إلى المدينة، أو متبرعا غربيا، أو امرأة من نساء المجتمع المخملي.. تدخل المرأة بعطرها الخفيف الثمين وشعرها القصير المسرّح برقي، وتمسح على شعور الأولاد وهي تردد: يا حرام يا حرام، وشفيعة تحاول باستماتة إبعاد الأولاد حتى لا ينقلوا الدبق إلى ثياب المرأة، الأولاد الذي يكونون قد هجموا، كما يهجمون دائما على أي شخص ينظر إليهم ويبتسم لهم، فتقول المرأة: لا خليهم
وتكون شفيعة تصلي كي ينتهي هذا سريعا، وعندما تخرج المرأة تعلّق: هل تلاحظين أن النساء الغنيات إما مسيحيات أو يشبهن المسيحيات؟
كان هذا ضاغطا، لأننا كنّا ننسى أن على أكتافنا ملائكة تحصى الحركات والسكنات، ولا ننسى المدير الذي صنع لنفسه نسخا أثيرية تراقبنا من خلف ظهورنا
ومع هذا فإن شفيعة لم تكن بريئة تماما، لأنها كانت تسهر إلى الثانية صباحا كل يوم، تطارد المسلسلات والأفلام وبرامج المنوعات، ثم تستيقظ في السادسة والنصف، وأمامها نصف ساعة لتجهز ثمانية للمدرسة، فكانوا يخرجون مرتدين ملابسهم كيفما اتفق، دون أن يغسلوا وجوههم، ودون إفطار، ولديهم في حقائبهم المدرسية بدل الساندويشات قرشلة
كانت المعلمات في مدارس الأولاد يعرفن برنامج مناوباتها، يكفي أن ينظرهن إلى تبدل أحوالهم، فيعرفن هي في أي بيت هذه الأيام

لمن تمشط شفيعة؟
لم تكن الأخريات في الغالب أقل سوءا، ولكنهن كن أكثر ذكاء وحذرا، وكن يمضين الوقت كل الوقت في تهيئة التفاصيل الصغيرة، وترتيب الواجهة المتقنة المشغولة بعناية، الواجهة التي يقدمنها للمدير وللضيوف ولبعضهن البعض، في حين كان لشفيعة التي ترتكب الخطأ وراء الخطأ، معراة الظهر، صورة قروية تتسوق في المدينة
هذا جعلها عرضة للسكاكين وللمكائد التي كانت تحاك طوال الوقت، والذي كنت أستغربه هو قدرتها على أن تبدأ على بياض مع الذين آذوها، يكفي أن يأتي ذلك الشخص، ويقدم لها كوب شاي ويقول تفضلي، فتتفضل
مرة جاء إلى الدار عامل نظافة مصري
في البداية قالت إنه ليس جميلا لأنه يشبه أحمد زكي، ولكنها بعدها بدأت تحتفي به دون حذر، صارت تقدم له الشاي كلما كان قريبا، وتضع له على المجلى الخارجي إبريق ماء تجدد ثلجه باستمرار، وأحيانا تقدم له وجبات طعام
وعندما كانت تقطع الساحة ذاهبة من منزل إلى آخر، تمر به فتخفض رأسها وتقول بصوت منخفض مرحبا، فيقف مستندا على المكنسة ويقول:أهلا
ثم في يوم جاءت إليّ وفي يدها ورقة ناولتني إياها وهي تقول بفرح: اقرئي
لقد كانت ورقة منزوعة من دفتر مدرسي، مكتوبة بخط بدائي، وبلغة خليط من العامية والفصحى، كانت رسالة من عامل النظافة يخبرها فيها أنه يحبها، وإنه لايستطيع العيش من دونها
لا أعرف إن كان جادا، ولكنها بالتأكيد لم تكن جادة
كان لها شبكة من الرجال صحيح، ولكن أبو مكنسة لن يحلم بأن يكون خيطا فيها
ومع هذا واصلت الاحتفاء به، فقد كان في النهاية رجلا، تمر به فيتوقف عن التكنيس، ينظر إليها بود ويقول مرحبا
وفي يوم مرت بها سعدية ، وكانت شفيعة منهمكة في التنظيف وهي مشعثة الشعر، فسألتها سعدية: لماذا لا تمشطين شعرك؟
فقالت شفيعة: ولمن أمشطه يا حسرة
هنا نظرت إليها سعدية وقالت بقسوة: للزبالين المصاروة

Older Posts »